الفيض الكاشاني
54
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
وأمّا النظر في أنّ السفر هو الأفضل أو الإقامة ، فيضاهي النظر في أنّ الأفضل هو العزلة أو المخالطة ، وقد ذكرنا منهاجه في كتاب العزلة فليفهم هذا منه ، فإنّ السفر نوع مخالطة مع زيادة تعب ومشقّة من تفرّق الهمّ وتشتّت القلب في حقّ الأكثرين ، والأفضل ما هو الأعون على الدّين . ونهاية ثمرة الدّين في الدّنيا تحصل بدوام الفكر ، ومن لم يتعلَّم طريق الفكر والذكر لم يتمكَّن منهما ، والسفر هو المعين على التعلَّم في الابتداء ، والإقامة هي المعينة على العمل بالتعلَّم في الانتهاء ، فأمّا السياحة في الأرض على الدّوام فمن المشوّشات للقلب إلا في حقّ الأقوياء ، فإنّ المسافر وماله لعلى فلت ( 1 ) إلا ما وقى اللَّه ، فلا يزال المسافر مشغول القلب تارة بالخوف على نفسه وماله ، وتارة بمفارقة ما ألفه واعتاده في إقامته ، وإن لم يكن معه مال يخاف عليه فلا يخلو عن الطمع والاستشراف إلى الخلق ، فتارة يضعف قلبه بسبب الفقر ، وتارة تقوى باستحكام أسباب الطمع . ثمّ شغل الحطَّ والترحال مشوّش لجميع الأحوال ، فلا ينبغي أن يسافر المريد إلا في طلب علم أو مشاهدة شيخ يقتدي به في سيرته وتستفاد الرّغبة في الخير من مشاهدته ، فإن اشتغل بنفسه واستبصر وانفتح له طريق الفكر والعمل فالسكون أولى به إلا أنّ أكثر متصوّفة هذه الأعصار لما خلت بواطنهم عن لطائف الأفكار ودقائق الأعمال ، ولم يحصل لهم أنس باللَّه تعالى وبذكره في الخلوة وكانوا بطَّالين غير محترفين ولا مشغولين ، قد ألفوا البطالة واستثقلوا العمل واستوعروا طريق الكسب واستلانوا جانب السؤال والكدية واستطابوا الرباطات المبنيّة لهم في البلاد واستسخروا الخدم المنتصبين للقيام بخدمة القوم ، استخفّوا عقولهم وأديانهم من حيث لم يكن قصدهم من الخدمة إلا الرياء والسمعة وانتشار الصيت واقتناص الأموال بطريق السؤال تعلَّلا بكثرة الأتباع ، فلم يكن لهم في الخانقاهات حكم نافذ ولا تأديب للمسافرين نافع ، ولا حجر عليهم قاهر ، فلبسوا المرقّعات ، واتّخذوا من الخانقاهات
--> ( 1 ) كذا وفي الاحياء « لعلى قلق » .